فخر الدين الرازي
96
النبوات وما يتعلق بها
المقصود من التأكيد : السعي في دفع المفسدة ، بأقصى الوجوه . والأنبياء - عليهم السلام - يقولون : ان من أعوض عن متابعتنا ، فإنه يستحق أعظم العقاب ، وعلى هذا التقدير تصبح البعثة سببا لأعظم أنواع المفاسد وهو استحقاق العذاب الدائم ، على تقدير مخالفتهم ، وترك متابعتهم . وهذا متناقض . وأمه الوجه الثاني : وهو قوله « المقصود من البعثة التنبيه على ما في الأشياء من المنافع » فنقول : تلك المنافع ان كانت ضرورية التحصيل ، كانت معلومة للكل . لأن على هذا التقدير لا تحصل الحياة [ الا بها ] « 7 » وان كانت غير ضرورية التحصيل ، فحينئذ لا يلزم من فواتها حصول ضرر أصلا ، فوجب الاحتراز عنها على ما بيناه في تقرير الدليل . وأما قوله : « هذه العبادات الطاف في فعل الواجبات العقلية » فنقول : هذا باطل لوجهين : الأول : ان معنى كون فعل الأول لطفا في فعل الثاني : هو أن فعل الأول يدعو الفاعل إلى فعل الثاني ، وهذا المعنى بتقدير حصوله ، يكون حالة وجدانية من النفس بالضرورة ، ونحن البتة لا نجد من أنفسنا : ان الاتيان بالصلاة والصوم يدعونا إلى رد الوديعة ويحملنا على ترك الظلم . فثبت : أن هذه الحالة لو كانت موجودة ، لكان العلم بحصولها : علما ضروريا . وثبت أن هذا العلم ضروري مفقود . فوجب أن لا يكون هذا المعنى حاصلا . والثاني : انه لو كان وجوب هذه العبادات الشرعية ، لأجل أن تصير ألطافا في الواجبات العقلية ، لكان المكلف إذا رد الوديعة ، وترك الظلم ، وجب أن لا يجب عليه شيء من هذه العبادات . لأن بعد حصول المطلوب فيه ، كان ايجاب اللطف عبثا . وذلك عندكم باطل . الحجة الثانية في بيان أن العقل كاف في معرفة المهمات : هو أن نقول : المطلوب اما معرفة الأشياء الغائبة عن الحواس ، أو معرفة الأشياء « 8 » الحاضرة عند الحواس . أما الأول فنقول : العقول كافية في
--> ( 7 ) سقط ( ل ، طا ) . ( 8 ) الأشياء الغير الغائية عن الحواس ( ت ، ط ) .